مركز الثقافة والمعارف القرآنية

529

علوم القرآن عند المفسرين

وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ « 1 » . بينما قد نهى عن الإسراف والتبذير ودل الناس على مفاسدهما : وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ « 2 » إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ « 3 » وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 4 » وأمر بالصبر على المصائب وبتحمل الأذى ، ومدح الصابر على صبره ، ووعده الثواب العظيم : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 5 » وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ « 6 » . وإلى جانب هذا لم يجعل المظلوم مغلول اليد أمام ظالمه ، بل أباح له أن ينتقم من الظالم بمثل ما اعتدى عليه ، حسما لمادة الفساد ، وتحقيقا لشريعة العدل : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ « 7 » . وجوز لولي المقتول أن يقتص من القاتل العامد : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ « 8 » . والقرآن بسلوكه طريق الاعتدال ، وأمره بالعدل والاستقامة قد جمع نظام الدنيا إلى نظام الآخرة ، وتكفل بما يصلح الأولى ، وبما يضمن السعادة في الأخرى ، فهو الناموس الأكبر جاء به النبي الأعظم ليفوز به البشر بكلتا السعادتين ، وليس تشريعه دنيويا محضا لا نظر فيه إلى الآخرة ، كما تجده في التوراة الرائجة ، فإنها مع كبر حجمها لا تجد فيها موردا تعرضت فيه لوجود القيامة ، ولم تخبر عن عالم آخر للجزاء على الأعمال الحسنة والقبيحة . نعم صرحت التوراة بأن أثر الطاعة هو الغنى في الدنيا ، والتسلط على الناس باستعبادهم ، وأن أثر المعصية والسقوط عن عين الرب هو الموت وسلب الأموال والسلطة . كما أن تشريع القرآن ليس أخرويا محضا لا تعرض له بتنظيم أمور الدنيا كما في

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 180 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 141 . ( 3 ) سورة الأسراء : الآية 27 . ( 4 ) سورة الأسراء : الآية 29 . ( 5 ) سورة الزّمر : الآية 10 . ( 6 ) سورة آل عمران : الآية 146 . ( 7 ) سورة البقرة : الآية 194 . ( 8 ) سورة الأسراء : الآية 33 .